غانم قدوري الحمد

18

محاضرات في علوم القرآن

فجاءه الملك فقال : اقرأ ، قال : ما أنا بقارئ ، قال : فأخذني فغطّني « 1 » حتى بلغ مني الجهد ، ثم أرسلني ، فقال : أقرأ ، قلت : ما أنا بقارئ ، فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ، ثم أرسلني ، فقال : اقرأ ، فقلت ما أنا بقارئ ، فأخذني فغطني الثالثة ثم أرسلني ، فقال : اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ( 1 ) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ ( 2 ) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ( 3 ) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ( 4 ) عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ ( 5 ) [ العلق ] . فرجع بها الرسول صلى اللّه عليه وسلم يرجف فؤاده ، فدخل على خديجة بنت خويلد ، رضي اللّه عنها ، فقال : زمّلوني « 2 » ، حتى ذهب عنه الرّوع ، فقال لخديجة وأخبرها الخبر : لقد خشيت على نفسي ، فقالت خديجة : كلا ، والله ما يخزيك الله أبدا ، إنك لتصل الرّحم ، وتحمل الكلّ ، وتكسب المعدوم ، وتقري الضيف ، وتعين على نوائب الحق . فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى ، ابن عم خديجة ، كان امرأ تنصّر في الجاهلية ، وكان يكتب الكتاب العبراني ، فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء أن يكتب « 3 » . وكان شيخا كبيرا قد عمي ، فقالت له خديجة : يا ابن عم ، اسمع من ابن أخيك ، فقال له ورقة : يا ابن أخي ما ذا ترى ؟ فأخبره رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم خبر ما رأى ، فقال له ورقة : هذا الناموس « 4 » الذي نزّل اللّه على موسى ، يا ليتني فيها جذعا ، ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : أو مخرجيّ هم ؟ قال : نعم ، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي ، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا ، ثم لم ينشب « 5 » ورقة أن توفي ، وفتر الوحي » .

--> ( 1 ) الغط : العصر الشديد ( ينظر : ابن الأثير : النهاية 3 / 373 ) . ( 2 ) زملوني : دثّروني وغطّوني ( ابن الأثير : النهاية 2 / 313 ) . ( 3 ) كان ورقة يكتب بالعربية كما كان يكتب بالعبرانية ( ابن حجر : فتح الباري 1 / 25 ) . ( 4 ) الناموس : صاحب سر الوحي ، والمراد به جبريل ، عليه السّلام . ( ابن منظور : لسان العرب 8 / 130 نمس ) . ( 5 ) لم ينشب : لم يلبث ( ابن الأثير : النهاية 5 / 52 ) .